أبي منصور الماتريدي
114
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومكنتهم من أن يصيروا الحزب الخالد الذي لا يزال باقيا بتمام قوته ووجوده إلى اليوم » « 1 » . إذن فقد أسهمت هذه الأحداث المفجعة في تكوين فرقة الشيعة وفي إنتاج آرائها في السياسة ثم في العقيدة ، وبيّن أن هذا العامل التاريخي يستند على الشعور والوجدان أكثر مما يقوم على البرهان والحجة . وثمة عامل آخر ساعد بشكل كبير على قوة التيار الشيعي ، ومنحه ذيوعا وانتشارا ، وتأثيرا في الحياة السياسية ، ألا وهو انضمام الموالي الفرس إلى الحركة الشيعية . والحق أن فكرة الشيعة عن الخلافة وما ذهبوا إليه من ضرورة تخصيصها بعلي وبنيه لاءمت إلى حد كبير نظرية الحق الملكي المقدس التي اعتنقها الفرس ؛ يقول الأستاذ دوزي موضحا حقيقة هذا العامل : « إن الشيعة فرقة فارسية في حقيقتها وجوهرها . . . إن الفارسي لم يكن يستطيع أن يتصور أن يوجد خليفة بالانتخاب ، فهذه الفكرة غير معهودة له وغير معقولة ، وإنما المبدأ الوحيد الذي يمكنه أن يفهمه هو مبدأ الوراثة ، وكل الذي كان هو في حاجة إليه ، وقد تغيرت بيئته واعتنق دينا جديدا ، هو أن ينقل ولاءه ويحول وجهة شعوره من أفراد أسرة مقدسة إلى أخرى . فليس من المبالغة إذن في شيء - وإن كان الدافع ونوع العاطفة ولا شك مختلفين وكان حدوث العملية غير شعوري - أن يقال : إن « البيت النبوي » ، وقد مثله آل علي ، قد حل في قلوب الفرس واعتبارهم محل بيت آل ساسان » « 2 » . ويسعنا أن نضيف سببا آخر يفسر لنا انضمام الفرس إلى الشيعة وهو دفاعهم عما رأوه حقّا لعلي وبنيه ، وهو اضطهاد الأمويين للموالي والذي أورثهم شعورا مؤلما بانخفاض مستواهم المعيشي ، وتدني مكانتهم الاجتماعية عن العرب . نتج عن العوامل السابقة مجتمعة تطور الفكرة الشيعية وتبلور ملامحها ، وغدا للشيعة رأي محدد في الإمامة ذكره ابن خلدون فقال : « إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ، ويتعين القائم بتعيينهم ، بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ، ولا يجوز لنبي إغفالها ولا تفويضها إلى الأمة ، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر ، وإن عليّا - رضي الله عنه - هو الذي عينه صلوات الله
--> ( 1 ) د / محمد ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية الإسلامية ( ص 69 ، 70 ) . ( 2 ) ينظر : محمد ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية الإسلامية ( ص 71 ) .